السيد علي عاشور

115

موسوعة أهل البيت ( ع )

الموضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض ، والحروف هي المفعول بذلك الفعل ، وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلها من الله عزّ وجلّ ، علمها خلقه وهي ثلاثة وثلاثون حرفا ، فمنها ثمانية وعشرون حرفا تدل على لغات العربية ، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفا تدل على لغات السريانية والعبرانية ، ومنها خمسة أحرف متحرفه في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلها ، وهي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية والعشرين الحرف من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفا فأما الخمسة المختلفة فحجج لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه ، ثم جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدتها فعلا منه كقوله عزّ وجلّ : ( كُنْ فَيَكُونُ ) * وكن منه صنع ، وما يكون به المصنوع ، فالخلق الأول من الله عزّ وجلّ الابداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حس ، والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها ، والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظور إليه ، والله تبارك وتعالى سابق للابداع لأنه ليس قبله عز وجل شيء ، ولا كان معه شيء ، ولإبداع سابق للحروف والحروف لا تدل على غير نفسها . قال المأمون : وكيف لا تدل على غير نفسها ؟ قال الرضا عليه السّلام : لأن الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدأ ، فإذا الف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى ، ولم يك إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا . قال عمران : فكيف لنا بمعرفة ذلك ؟ قال الرضا عليه السّلام : أما المعرفة فوجه ذلك وبيانه أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فردا فقلت : ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها ، فلم تجد لها معنى غير أنفسها ، فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفا وجعلتها اسما وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها ، داعية إلى الموصوف بها ، أفهمته ؟ قال : نعم . قال الرضا عليه السّلام : واعلم أنه لا تكون صفة لغير موصوف ، ولا اسم لغير معنى ، ولا حدّ لغير محدود ، والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود ، ولا تدل على الإحاطة ، كما تدل على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس ، لأن الله عزّ وجلّ تدرك معرفته بالصفات والأسماء ، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك ، وليس يحل بالله جل وتقدس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا ، ولكن يدل على الله عز وجل بصفاته ، ويدرك بأسمائه ، ويستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع اذن ولا لمس كف ولا إحاطة بقلب ، فلو كانت صفاته جل